الثلاثاء، 25 مارس، 2014

نكبات يافا بعد نكبة 48 (سامي ابو شحادة وفادي ابو شبيطة)

نكبات يافا بعد نكبة 48:
1- بعد أن احتلت المدينة عسكرياً، استطاع 4000 فلسطيني من أصل 120,000 هم عدد السكان الأصليين، من البقاء في مدينتهم. قام الصهاينة بتجميع ما تبقى من سكان المدينة وقراها العرب في حي "العجمي"، بعد عزله عن باقي أحياء المدينة، تحت حكم عسكري استمر حتى عام 1966. خلال هذه الفترة، أحيط حي العجمي بالأسلاك الشائكة وبجنود صهاينة مع كلاب حراسة. وقد أطلق الصهاينة على حي العجمي مصطلح "غيتو" ...استناداً إلى تجربتهم القاسية التي عانوا منها في أوروبا، النازية والعنصرية.

2- اضافةً الى عزل ما تبقى من السكان في حي العجمي، فقد خسر كل من صمد من سكان المدينة، معظم أبناء عائلته واصدقائه، وكل البيئة الإنسانية والاجتماعية التي ترعرع فيها وعرفها. معظم هؤلاء السكان تم طردهم من منازلهم، واجبروا بالقوة على السكن في حي العجمي، وحرموا من معظم الحقوق الأساسية كالعمل والتعليم العالي، وحتى الدخول والخروج من الحي كان يتم فقط بموجب تصريح من الحاكم العسكري. كذلك، أصبحت الدول العربية حسب القانون الإسرائيلي، دولا معادية، ومنعت العائلات الفلسطينية من إجراء أية اتصالات مع أبناء أقاربهم المهجرين.

3- في بداية الخمسينيات، ضمت بلدية تل-أبيب مدينة يافا ادارياً تحت سلطتها، وأصبحت بلدية واحدة تسمى بلدية تل ابيب-يافا. خلال ذلك، فقد سكان يافا مكانة الأكثرية في وطنهم، وأصبحوا أقلية هامشية تعيش تحت حكم احتلال استعماري ينكر ابسط حقوقهم كبشر، ويعاملهم كأعداء. ومنذ اللحظة الأولى، وضعت بلدية تل أبيب-يافا مخطط تهويد المدينة، فغيرت أسماء الشوارع العربية إلى أسماء عبرية لقيادات الحركة الصهيونية، أو إلى أسماء غربية لا تمت للمدينة وتاريخها العريق بأية صلة. كما عملت البلدية على تغيير الطراز المعماري للمدينة من خلال هدم جزء كبير من المباني القديمة، وهدم أحياء وقرى بكاملها، كان سكانها الأصليون قد هجروا خلال نكبة عام 1948. كما قامت الدولة العبرية بوضع مناهج تدريس جديدة في المدارس الفلسطينية، وهذه المناهج لا تتطرق إلى ان المدينة كانت تحتوي تاريخ عربي فلسطيني، ولا يزال هذا النظام التعليمي الإسرائيلي مستمرا حتى يومنا هذا.

4- اكبر عملية سطو مسلح في القرن العشرين:

بعد احتلال يافا ووضع من تبقى من أهلها تحت حكم عسكري صارم داخل حي العجمي، اقرت حكومة إسرائيل عام 1950 قانون "أملاك الغائبين" سيطرت من خلاله على كل أملاك الشعب الفلسطيني الذي طردته من أرضه، ووضعت هذه الأملاك تحت سيطرتها وتصرفها. حيث قامت إسرائيل بإرسال موظفيها إلى كل بقعة من أراضي مدينة يافا، وقاموا بتسجيل وإحصاء كل العقارات والمباني والمصانع والأراضي التي احتلت وسرقت من أصحابها الفلسطينيين الأصليين، فكل من كان بعيداً قيدت أملاكه لصالح دولة إسرائيل. هكذا سيطرت الدولة أيضا على أملاك سكان يافا الذين وضعتهم تحت الحكم العسكري بحي العجمي، وعندما أحصت أملاكهم لم يكونوا متواجدين فيها، فسُرقت بشكل غير شرعي وبدون أي اعتبار لأصحابها الأصليين.

5- في الحقيقة، بعد سرقة أراضي وممتلكات أهل يافا، أصبحت الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين الذين لم يهجروا من المدينة عمالا مأجورين لدى أصحاب محلات يهود، يراقبونهم يوميا، ويربطون رزقهم بولائهم السياسي، هذا طبعا بعد ان حالفهم الحظ ليحصلوا على عمل يعيلون به أولادهم، وهكذا تبدّل الحال وانقلبت الأوضاع بأهالي يافا العرب من أصحاب أهم مركز اقتصادي بفلسطين، ليعيشوا كالأيتام على موائد اللئام.

6- بعد إنشائها، قامت دولة اسرائيل باستيعاب مئات آلاف المهاجرين اليهود الجدد من مناطق شتى في العالم. فقد قامت الدولة بتوزيع أملاك وأراضي وبيوت المهجرين واللاجئين الفلسطينيين على المهاجرين اليهود الجدد. وبعد أن انتهت من هذه العملية، ولم تعد المباني تتسع لأعداد المهاجرين المتزايدة، أصبحت الشركات الحكومية الإسرائيلية تقسم كل بيت عربي بيافا لعدة شقق سكنية لتستوعب اكبر عدد ممكن من عائلات المهاجرين اليهود. بهذه الطريقة أجبرت الدولة سكان حي العجمي العرب، على العيش المشترك في نفس البيت مع عائلات المهاجرين اليهود من بلغاريا والمغرب ودول أخرى. كل بيت كان به ثلاث أو أربع غرف، كان يُقسم على ثلاث أو أربع عائلات، بحيث تسكن كل العائلة في غرفة واحدة، أما المطبخ والمراحيض فأصبحت مشتركة مع العائلات الأخرى.

7- هذه العملية كانت باعتقادي أصعب مأساة للعائلات الفلسطينية التي بقيت في يافا بعد النكبة، حيث أجبرت هذه العائلات على العيش المشترك مع من يعتبرونه العدو في نفس البيت، مع الأخذ في الاعتبار ان العديد من هذه العائلات اليهودية احتوت مجندين في الجيش الإسرائيلي، كما أنها احتوت أعضاء في المنظمات الصهيونية كانوا مسؤولين عن الجرائم المستمرة بحق المجتمع الفلسطيني بشكل عام، فاضطر العرب اليافاويون على العيش مع من هجّر أهلهم، وما زال يحارب شعبهم حتى يومنا هذا.

ما خلفته الحرب من ويلات مباشرة أدى إلى خلق شعور متزايد بالألم والعجز بين ما تبقى من سكان المجتمع الفلسطيني في يافا. فقد عانوا من حرقة العجز وعدم المقدرة على الدفاع عن وطنهم الفلسطيني وحماية بلدهم الحبيب يافا، وحماية أملاكهم وبيوتهم بل واضطرارهم لقبول مشاركة أعدائهم بالعيش فيها. هذا الشعور بالعجز أدى إلى حالة من الاكتئاب الشديد.

8- إلاّ أنّنا شعب يحب الحياة: 1951-1979

ولد وترعرع جيل الخمسينيات والستينيات في واقع شديد الاختلاف عمّا ولد فيه جيل الآباء. ولأن الشعب الفلسطيني، شعب معطاء ويحب الحياة، فقد بدأ هذا الجيل بإعادة بناء نفسه من جديد، وذلك من خلال الانخراط في سوق العمل بوظائف أفضل، والعمل في مجالات لم يرغب اليهود بتحمل أعبائها، كالبناء وإدارة المطاعم وكراجات السيارات. إضافة إلى أن العديد من الشباب انخرطوا في مجال العمل السياسي بالحزب الشيوعي، وحركة الأرض الناصرية، وتيارات أخرى هدفت إلى تحدي الظلم المنتشر، الفقر، ومقاومة سياسة مصادرة الأراضي.

ونتيجةً لتصاعد المعارضة الداخلية لقوانين التمييز في دولة إسرائيل، ونتيجةً لتدفق المعلومات عن أن "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" التي كانت تطبق نوعين من القوانين على نوعين من السكان، اضطرت دولة إسرائيل إلى إلغاء النظام العسكري المعمول به منذ النكبة في العام 1966. وبينما استمر التمييز العنصري الممنهج ضد السكان الفلسطينيين، شهدت سنوات السبعينيات من القرن العشرين ظهوراً نسبياً لحركات سياسية واجتماعية بين أوساط السكان العرب الفلسطينيين في إسرائيل. ففي يافا، توجت هذه الحركة النشطة بتشكيل مؤسسة رعاية شؤون العرب في يافا عام 1979، بمبادرة من بعض المثقفين والوطنيين في المدينة. ومن بين أهداف هذه المؤسسة، الحفاظ على التراث العربي للمدينة، مكافحة التمييز العنصري المستمر ضد عرب يافا، والنضال من أجل القضايا الهامة وعلى رأسها قضية السكن والتربية والتعليم.

وخلال سنوات السبعينيات، أصبح مشروع يهودية الدولة الإسرائيلية داخل حدود أراضي عام 1948، مشروعاً يمثل السياسة الرسمية للدولة بشكلٍ علني. فقد واجه سكان مدينة يافا ضغوطات متزايدة لترك منازلهم من خلال مجموعة من السياسات العنصرية الإسرائيلية، تمثلت بحرمانهم من إصلاح منازلهم، وخصوصاً ان معظم هذه المنازل كانت مسجلة "كأملاك غائبين" تابعة للدولة بشكل مباشر. وقد أهملت بلدية تل ابيب-يافا الأحياء القديمة في المدينة، مما تسبب في انهيار بعض المنازل، وفي بعض الحالات قامت البلدية بهدم عدد آخر من المنازل. وكنتيجة لهذا الإهمال، غادرت العديد من العائلات اليهودية حي العجمي إلى الإحياء المحيطة بمدينة يافا، كما بدأت بعض العائلات اليهودية بالهجرة إلى المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وذلك بتشجيع من الحكومة الإسرائيلية.

9- عودة الروح: 1979-2000

مع بداية سنوات الثمانينيات، ازدادت نسبة السكان الفلسطينيين في يافا، وذلك كنتيجة للزيادة الطبيعية للسكان وهجرة آلاف العرب من الجليل والمثلث إليها. وبناءً على هذه العوامل، اختلف وبشكل كبير واقع هذه المدينة من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، كما ظهر وترعرع جيل جديد هو الثاني بعد النكبة، وكان حظّه من التعليم الأكاديمي أفضل بكثير من الجيل الذي سبقه. استفاد هذا الجيل مما بناه مَن سبقه اقتصاديا، وبدأ يعيد بناء ذاته من خلال استقلاله الاقتصادي نسبيا عن طريق إدارة مصالح اقتصادية مختلفة.

منذ الثمانينيات، بدأت يافا تشهد تقدما ملحوظا بجميع مجالات الحياة، وبدأ ذلك يظهر بوضوح مع استعادة أبناء المدينة العديد من المحلات التجارية، وترميم المساجد والكنائس والمباني العامة، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة خريجي الجامعات والمعاهد العليا سنويا، ومساهمتهم في إعادة بناء مجتمعهم مع الحفاظ على هويتهم الوطنية وانتمائهم للمدينة. وبالطبع، فإن محاولات تهويد المكان استمرت، إلا أن سكان المدينة أصبحوا عاملا فاعلا ومؤثرا في مدينتهم وكل ما يتعلق بحياتهم.

وقد شهدت سنوات التسعينيات من القرن الماضي نهضة سياسية وثقافية خلاقة بين أوساط السكان العرب الفلسطينيين في إسرائيل، وخصوصاً أن جيل النكبة الثالث بدأ يعيد تشكيل هويته الوطنية كجيل صاحب حق شرعي في أرضه ووطنه. وكجيل مثقف وواع لسياسة إسرائيل التهويدية، فان التفاوت بين مفهومهم عن "الديمقراطية الإسرائيلية" التي تعلموها في المدارس والتمييز الذي يواجهونه في حياتهم اليومية من قبل دولة إسرائيل قد استقطب اعداداً كبيرة من هذا الجيل إلى عالم السياسة. وقد توّج هذا التحول السياسي في الموقف المشرف لأهل يافا مع بداية الانتفاضة الثانية عام 2000، حين نزل المئات منهم للشوارع، ونظموا التجمعات الاحتجاجية والمظاهرات ضد ما يجري لأبناء شعبهم في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، ليلتحم من جديد أبناء الشعب والجسد الواحد الذي مزقته الحركة الصهيونية إلى أشلاء متناثرة.

10- يافا اليوم والنكبة المستمرة

بالرغم من صعود الحركة السياسية والثقافية الفلسطينية في يافا، فان سكان المدينة الفلسطينيين، والبالغ عددهم أكثر من 20,000، يواجهون استمرارية النكبة على المستويين: اليومي والقومي. إن مصطلح استمرارية النكبة اليوم في الداخل الفلسطيني ليس مجازا يستعمل للبكاء على الأطلال أو لاستعادة الذكريات، وإنما طريقة إدراك ضرورية لفهم الواقع الحالي والنضال العنيد لتغييره. وبينما يهدف التمييز العنصري المنظم والسياسة الإسرائيلية لتهجير الفلسطينيين من يافا والمدن المختلطة، سنركز في هذا المقال على المسكن والهوية الثقافية والتي تتمثل في الأتي:

11- المسكن: الحق في البقاء

إن أهم موضوع يواجهه الفلسطينيون في يافا اليوم، يتمثل في المسكن وسياسة الطرد الإسرائيلية. كل فلسطيني في المدينة لديه جيران أو أقرباء يواجهون مشكلة الطرد والترحيل من قبل البلدية التي تمثل بالطبع السياسة العامة لدولة إسرائيل، بحيث يبلغ عدد العائلات التي تواجه هذه السياسة أكثر من 500 عائلة. تختلق الدولة مبررين رئيسيين للهدم والإخلاء يتمثلان في عدم الحصول على التراخيص اللازمة للبناء ومخالفة القانون، أو "اقتحام أملاك الدولة" التي صادرتها من الفلسطينيين بعد نكبة 1948. كما تحاول الدولة وأعوانها إقناع العرب الفلسطينيين في يافا بأنهم مذنبين ومخالفين للقانون وتشبههم بقطاع طرق، متناسية هذه الدولة، عشرات السنوات من السياسة المبرمجة والمدروسة لهدم يافا العربية وتحويلها إلى مدينة يغيب عنها تاريخها العربي والوجود العربي الأصيل فيها.

تتعدى قضية المسكن والبقاء مئات أوامر الهدم والإخلاء، فلا يقوى المرء إلا أن يحاول الربط بين إعلان إدارة أراضي إسرائيل عن عشرات مناقصات البيع، ارتفاع الأسعار الجنوني، أوامر الهدم والإخلاء، بناء مركز بيرس "للسلام" على ارض مصادرة من اللاجئين الفلسطينيين في المدينة، وافتتاح مركز لليهود المتعصبين في قلب حي العجمي. إن الربط بين كل هذا يشكل صورة مقلقة، تقتلع فيها العائلات الأصلية من بيوتها، بينما تقتحم يافا على يد من يملك السلطة والمال. نرى الدولة تعطي ممتلكات العرب الفلسطينيين بشكل شبه مجاني للاستيطان اليهودي في مدن فلسطينية أخرى كالرملة واللد، النقب وغيرها. بينما نتهم نحن، سكان البلاد الأصليين، بأننا مقتحمون ومخالفون للقانون. نحن السكان الفلسطينيين الذين لم يخرجوا من فلسطين التاريخية، والذين أجبرنا على قبول جنسية الدولة التي احتلت أرضنا، نشكل نسبة 20% من سكان دولة إسرائيل، لكننا نملك فقط 3.5% من الأرض، بعد أن قامت إسرائيل بمصادرة معظم أراضينا وأملاكنا.

12- اعادة تشكيل الهوية، اللغة والتاريخ

يعد برج الساعة الذي بني على يد العثمانيين الأتراك على مشارف البلدة القديمة ليافا، احد أهم رموز المدينة، وهو برج تاريخي وجد على ارض يافا قبل تأسيس دولة إسرائيل بعشرات السنين. تستقبل الزائر اليوم، يافطة حجرية ألصقت إلى مبنى الساعة كتب عليها بالعبرية "لذكرى الأبطال الذين سقطوا من أجل تحرير يافا". من هناك، ان اتجهنا بعد الساعة إلى اليمين وبدأنا في الصعود إلى داخل البلدة القديمة نرى منظرا خلابا للبحر من هذه النقطة المرتفعة وصولا إلى اليافطات السياحية التي وضعتها بلدية تل ابيب. تسرد هذه اليافطات تاريخ المدينة منذ آلاف السنين وصولا إلى يومنا هذا. من المدهش ملاحظته، وجود هذه اليافطات بأربع لغات لا تشمل العربية، وعدم وجود ذكر للعرب في تاريخ المدينة سوى في سطر واحد كتب فيه "سنة 1936 هاجم همجيون عرب الحي اليهودي". تندرج هذه الأمثلة وغيرها، إلى جانب تغيير أسماء الشوارع، الأحياء والمرافق العامة تحت إطار محاولات محو آثار الجريمة، بل حتى ذكراها، وإعادة صياغة وعي الأجيال الفلسطينية الشابة بحيث تنسى انتمائها وهويتها وتتحول إلى أقلية عربية مطيعة ومدجنة. بالمقابل، وكرد على هذه السياسات السلطوية، اثبت الفلسطينيون في الداخل قدرتهم على التحدي وتمسكهم بانتمائهم والتزامهم العميق بنضال الشعب الفلسطيني كوحدة واحدة لا تتجزأ، رغم وضعهم الصعب والمركب.

لقد ضمت المدارس العربية بعد النكبة إلى جهاز التربية والتعليم الإسرائيلي، وتدخل جهاز المخابرات الإسرائيلي في تعيين مدراء المدارس والمعلمين إلى جانب تغيير منهاج التعليم. يتعلم الجيل الجديد اليوم تاريخ اليهود في أوروبا، وتاريخ إقامة الدولة اليهودية العصرية والمتقدمة دون أي ذكر للنكبة الفلسطينية التي نتجت عن إقامة إسرائيل، كما يسود جو من الترهيب ضد إحياء أية مناسبة وطنية كيوم الأرض أو ذكرى النكبة. إلى جانب ذلك، أهملت المدارس العربية الحكومية فانخفض مستواها التعليمي، الأمر الذي دفع بنسبة لا يستهان بها من اليافاويين العرب لإلحاق ابناهم بمدارس يهودية، وذلك يفسر بلبلة الهوية، وفقدان اللغة العربية الذي تعاني منه شريحة كبيرة في المدينة.

13- استمرارية الكفاح

مقابل محاولة المؤسسة اختراق المجتمع الفلسطيني وتهويد وعيه وانتمائه، عملت الحركة الوطنية بشتى تياراتها للحفاظ على الوجود والعزة والكرامة الوطنية. عانت يافا والمدن المختلطة عامة من كل ما ورد ذكره أعلاه، الا ان هذه المجتمعات المحاصرة لم تستسلم أو تطأطئ رأسها أبدا. طالما لعبت المؤسسة الحاكمة لعبة العصا والجزرة، الترغيب والترهيب، مع مجتمعنا لتحويله إلى أقلية تابعة ومطيعة تسميها السلطة "عرب إسرائيل". عرب يتكلمون العربية ولكنهم فاقدين لأي انتماء قومي لشعبهم، فاقدي الذاكرة لأرضهم وحقوقهم المسلوبة وموالين لجلاديهم. أرسل شعب وقيادة المجتمع الفلسطيني في الداخل الرسالة تلو الأخرى صائحا في وجه جبروت قاهره- كلما زدتم غطرسة زدنا مقاومة وإصرارا. رسالة تم إيصالها في يوم الأرض الخالد، في دعم الانتفاضة الأولى، في هبة أكتوبر 2000 وغيرها، كما نجحت رسالة قيادة الجماهير العربية على الخروج من دائرة الصراع القومي أو الديني المحتوم وتحويل النضال الفلسطيني إلى نضال أممي عادل، حيث شارك في مسيرة النضال والتحرر مناضلون فلسطينيون إلى جانب مناضلين يهود رفضوا الصهيونية وطالبوا دولتهم بتحمل مسؤوليتها عن النكبة الفلسطينية، إنهاء الاحتلال، وعودة اللاجئين.

ابتداءا من السبعينيات ترجم النضال الشعبي في يافا إلى نتائج وانجازات هامة وملموسة، حيث تم إجبار السلطة على وقف ردم شاطئ يافا بالنفايات وتحويله إلى مزبلة، وإجبارها على الاعتراف بمسؤوليتها عن تخصيص الأراضي وبناء الوحدات السكنية لحل ضائقة السكن، إلى جانب افتتاح مؤسسات تربوية عربية مستقلة كروضة للأطفال والمدرسة العربية الديمقراطية التي افتتحت قبل 5 سنوات.

14- يافا اليوم:

يستمر نضال الأرض والمسكن من خلال اللجنة الشعبية اليافاوية للدفاع عن الحق في الأرض والمسكن. أقيمت اللجنة الشعبية للدفاع عن الحق في الأرض والمسكن في شهر آذار 2007، نتيجة الخطر الذي يهدد استمرار الوجود العربي في يافا بشكل عام، وفي أحياء العجمي والجبلية بشكل خاص. تتضح خطورة الموقف عبر اكتشاف اللجنة الشعبية وجود 497 بيت مهدد بالهدم أو الإخلاء بحسب معطيات إدارة أراضي إسرائيل.

نبعت الحاجة لإقامة اللجنة الشعبية من إدراك الخطر الذي يهدد استمرار الوجود الفلسطيني في يافا كمجموعة قومية وثقافية، مع التركيز على الأحياء العربية القريبة من البحر (العجمي والجبلية). تضم اللجنة الشعبية سكانا، ناشطين اجتماعيا وسياسيا، حركات، مؤسسات، وأحزاب يافية، وتمثل القضية الجماعية العامة لأهالي يافا العرب الفلسطينيين، وهي مفتوحة لكل من يرغب بالانضمام على أساس مطالبها المذكورة أعلاه.

إضافة إلى ذلك تنشط العديد من المؤسسات المحلية على مستوى التمكين الاقتصادي، التمكين النسوي، التربية اللامنهجية وغيرها.

في الختام، يمكن القول بان يافا لا زالت منكوبة لكنها تقاوم، وأنها بأمس الحاجة إلى الدعم المادي والمعنوي من ابناء شعبنا لينجح مجتمعها المضطهد بالاستمرار بالمقاومة والنضال لاستعادة الحقوق وازالة الظلم الذي لحق بنا في النكبة ونحو صنع مستقبل أفضل.

-------------------------

* سامي ابو شحادة وفادي ابو شبيطة: من سكان مدينة يافا، واعضاء نشيطين في اللجنة الشعبية اليافاوية للدفاع عن الحق في الارض والمسكن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق